القرطبي

275

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

صلى الله عليه وسلم قال : ( من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين ) . قال العلماء : ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه ، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد . الثالثة عشرة - قوله تعالى : ( يسبح فيها بالغدو والآصال . رجال ) اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين ، فقيل : هم المراقبون أمر الله ، الطالبون رضاءه ، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شئ من أمور الدنيا . وقال كثير من الصحابة : نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا . ورأى سالم ابن عبد الله أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال : هؤلاء الذين أراد الله بقوله : " لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " . وروي ذلك عن ابن مسعود . وقرأ عبد الله بن عامر وعاصم في رواية أبى بكر عنه والحسن " يسبح له فيها " بفتح الباء على ما لم يسم فاعله . وكان نافع وابن عمر وأبو عمرو وحمزة يقرءون " يسبح " بكسر الباء ، وكذلك روى أبو عمرو عن عاصم . فمن قرأ " يسبح " بفتح الباء كان على معنيين : أحدهما أن يرتفع " رجال " بفعل مضمر دل عليه الظاهر ، بمعنى يسبحه رجال ، فيوقف على هذا على " الآصال " . وقد ذكر سيبويه مثل هذا . وأنشد : ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح ( 1 ) المعنى : يبكيه ضارع . وعلى هذا تقول : ضرب زيد عمرو ، على معنى ضربه عمرو . والوجه الاخر - أن يرتفع " رجال " بالابتداء ، والخبر " في بيوت " ، أي في بيوت أذن الله أن ترفع . رجال . و " يسبح له فيها " حال من الضمير في " ترفع " ، كأنه قال : أن ترفع ،

--> ( 1 ) اختلف في قائله ، ونسبه صاحب الخزانة لنهشل بن حرى . وهذا البيت من أبيات في مرثية أخيه يزيد ، ومطلعها : لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل * حشا جدت تسفى عليه الروائح وقوله : " ضارع " من الضراعة ، وهو الخضوع والتذلل . و " المختبط " الذي يسألك من غير معرفة كانت بينكما ، وأراد به هنا المحتاج . و " تطيح " تذهب وتهلك . و " الطوائح " جمع مطيحة ، وهي القواذف . و " الحشا . ما في البطن . و " حديث " بفتح الجيم والثاء : القبر . و " الروامح " : الأيام الروائح .